محمد بن جرير الطبري
175
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول : لانجت ؛ وقول الأعشى : وقد أخالس رب البيت غفلته * وقد يحاذر مني ثم ما يئل وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى " ح " ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : مَوْئِلًا قال : محرزا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا يقول : ملجأ . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا أي لن يجدوا من دونه وليا ولا ملجأ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا قال : ليس من دونه ملجأ يلجأون إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً يقول تعالى ذكره : وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا ، فكفروا بالله وآياته ، وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً يعني ميقاتا وأجلا ، حين بلغوه جاءهم عذاب فأهلكناهم به ، يقول : فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين من قومك يا محمد الذين لا يؤمنون بك أبدا موعدا ، إذا جاءهم ذلك الموعد أهلكناهم سنتنا في الذين خلوا من قبلهم من ضربائهم ؛ كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى " ح " ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً قال : أجلا . حدثنا القاسم ، قال : ثني الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . واختلفت القراء في قراءة قوله لِمَهْلِكِهِمْ فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق : " لمهلكهم " بضم الميم وفتح اللام على توجيه ذلك إلى أنه مصدر من أهلكوا إهلاكا . وقرأه عاصم : " لمهلكهم " بفتح الميم واللام على توجيهه إلى المصدر من هلكوا هلاكا ومهلكا . وأولى القراءتين بالصواب عندي في ذلك قراءة من قرأه : " لمهلكهم " بضم الميم وفتح اللام لإجماع الحجة من القراء عليه ، واستدلالا بقوله : وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ فأن يكون المصدر من أهلكنا ، إذ كان قد تقدم قبله أولى . وقيل : أهلكناهم ، وقد قال قبل : وَتِلْكَ الْقُرى لأن الهلاك إنما حل بأهل القرى ، فعاد إلى المعنى ، وأجرى الكلام عليه دون اللفظ . وقال بعض نحويي البصرة : قال : وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا يعني أهلها ، كما قال : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم يجيء بلفظ القرى ، ولكن أجرى اللفظ على القوم ، وأجرى اللفظ في القرية عليها إلى قوله الَّتِي كُنَّا فِيها وقال : أَهْلَكْناهُمْ ولم يقل : أهلكناها ، حمله على القوم ، كما قال : جاءت تميم ، وجعل الفعل لبني تميم ، ولم يجعله لتميم ، ولو فعل ذلك لقال : جاء تميم ، وهذا لا يحسن في نحو هذا ، لأنه قد أراد غير تميم في نحو هذا الموضع ، فجعله اسما ، ولم يحتمل إذا اعتل أن يحذف ما قبله كله معنى التاء من جاءت مع بني تميم ، وترك الفعل على ما كان ليعلم أنه قد حذف شيئا قبل تميم . وقال بعضهم : إنما جاز أن يقال : تلك القرى أهلكناهم ، لأن القرية قامت مقام الأهل ، فجاز أن ترد على الأهل مرة وعليها مرة ، ولا يجوز ذلك في تميم ، لأن القبيلة تعرف به وليس تميم هو القبيلة ، وإنما عرفت القبيلة به ، ولو كانت القبيلة قد سميت بالرجل لجرت عليه ، كما تقول : وقعت في هود ، تريد في سورة هود وليس هود اسما للسورة وإنما عرفت السورة به ، فلو سميت السورة بهود لم يجر ، فقلت : وقعت في هود يا هذا ، فلم يجر ، وكذلك لو سمى بني تميم تميما لقيل : هذه تميم قد أقبلت ، فتأويل الكلام : وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ، وجعلنا لإهلاكهم موعدا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ